محسن عقيل
509
طب الإمام الصادق ( ع )
الطفل ما دام في الرحم فهو يعيش في وسط غدير من الماء داخل المشيمة وهو ( السائل الأمينوسي ) وذلك لما تقدم من اعتدال الحرارة عليه ، ومن صد الصدمات والإزعاجات الخارجية عنه وبديهي أنه إذا كان يعيش في مثل هذا الغدير ، فلا بد وأن يخرج رطب الأعضاء لين الجوانب ولكنه سوف يقوى أديمه بالتدريج وتجف أعضاؤه بواسطة ملاقاة الهواء وتغيير غذائه إلى أثخن من غذائه الرحمي ، وحيث إن الدماغ خلق جسما سنجابيا رخوا رطبا ، فهو بالضرورة يكون مليئا بالرطوبات الرحمية . لذلك لا يمكن تجفيفه بسرعة كسائر الأعضاء الأخر ، لأنه مع ذلك فهو مخفي وسط صندوق عظمي متين ، ومحاط بثلاثة أغشية سميكة صلبة أعني أمّ الخافية والعنكبوتية وأمّ الدماغ . إذا فلا طريق لتجفيف رطوباته إلا بالترشيح إلى الخارج ، وهذا لا يكون إلا عن طريق العينين ، لقربهما منه ولاتصال أعصابهما وبعض القنوات به . ومعلوم أن أقوى وأحسن محرك لجريان تلك الرطوبات منه إليها هو البكاء العاصر للغدد الدمعية الجاذبة لتلك الرطوبات إليها فإذا استمر البكاء استمر الترشيح وإذا استمر الترشيح جف الدماغ إلى الحد المقصود المطلوب وهذا من أكبر الفوائد الناتجة عن البكاء . ثم إن الدماغ لما كان مصدر الحس والحركة منبعا للأعصاب جميعها . كان ارتخاؤه بالرطوبات سببا لارتخاء كل الأعضاء ولا سيما أعصاب العين الرقيقات والقريبات من نفس جرم الدماغ ، وإذا ارتخت هذه الأعصاب فمعناه أنها لا تبصر تماما . وهذا هو مراده عليه السّلام بقوله : إن بقيت أحدثت أحداثا جليلة وعللا عظيمة من ذهاب البصر وغيره - والمقصود من غيره هو رخاوة الأعضاء والفالج والشلل والبله والجنون وتشويه الخلقة وأمثالها أما إذا ترشحت رطوبات الدماغ وجف قوي ، وبقوته تقوى الأعصاب ، وبذلك يأمن الطفل من تلك الأحداث والأمراض البدنية والعقلية . ومن الجائز أن لا يعرف الأبوان هذه المنفعة العظيمة والحكمة البالغة في بكاء طفلهما فيشفقان عليه بإسكاته . ويعملان كل حيلة لمنع بكائه جهلا منهما لتلك العقبة . وهكذا تجد الخلقة كلها حكما ومصالح لصدورها عن خالق حكيم ، وكل أوضاعها متقنة لا يشوبها خلل ولا إهمال لأن صانعها عالم ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، لأن مبدعها مدبر خبير . أما جهل الجاهلين وعمى الملحدين المهملين فلا ينفي ولا ينافي تلك الحكمة التي لو عرفها المهملون وأدركها الطبيعيون والماديون ، لما قضوا على المخلوق أنه لا منفعة فيه ولو لم يجهلوا لم ينكروا حتى خفي عليهم السبب فأهملوا ، ولو نظروا بعين البصيرة وتجردوا عن العناد والتعنت لأدركوا أن العلماء وذوي البصائر ليعلمون كلما جهله المنكرون ، ويقرون بكلما أنكره الجاهلون ، على أن كثيرا من الحكم الخفية عن العقول البشرية ، والمصالح المستورة عن المخلوق . قد أحاط بها علم الخالق الحكيم تعالى ولم يطلع عليها أحدا من عباده لقصر عقولهم عن إدراكها ومحدودية أفهامهم عن